|
الإثنين, 28 دجنبر/كانون أول 2009 20:20 |
|
ـ" التيـه " ـ إبراهيم العسعس ـ28 ـ 12 ـ 2009 ـ قال الله تعالى : " قال فإنها محرمة عليهم . أربعين سنة . يتيهون في الأرض ، فلا تأس على القوم الفاسقين "(المائدة:26 ). ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله : " ... ونقول كلمة في حكمة هذا العقاب ، تبصرة وذكرى لأولي الألباب .. ـ
إنَّ الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد ، وتُساسُ بالظلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذل نفوسُها ، ويذهب بأسُها ،ـ وتُضرَب عليها الذلةُ والمسكنة ، وتألفُ الخضوع ، وتأنسُ بالمَهانة والخُنوع ، وإذا طال عليها أمدُ الظلم تصير هذه الأخلاقُ موروثةً ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية ، والطبائع الخُـلُقية ، إذا أخرجْتَ صاحبَها من بيئتها ، ورفعتَ عن رقبته نيرها ، ألفيتَه ينزِع بطبعه إليها ، ويتفلَّتُ منك ليقتحم فيها ، وهذا شأنُ البشر في كلِّ ما يألفونه ويجرون عليه من خير وشر ، وإيمان وكفر ، ..........ـ ... أفسد ظلمُ الفراعنة فطرةَ بني إسرائيل في مصر، وطبعَ عليها بطابع المهانة والذل ، وقد أراهم اللهُ تعالى ما لم يُـرِ أحداً من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السلام ، وبيَّن لهم أنَّه أخرجهم من مصر لينقـذهم من الذل والعبودية والعذاب ، إلى الحرية والعزِّ والنعيم ، وكانوا على هذا كلِّه إذا أصابهم نصَبٌ أو جوع ، أو كُـلِّفوا أمراً يشقُّ عليهم ، يتطيرون بموسى ويتململون منه ، ويذكرون مصرَ ويحِنُّون إلى العودة إليها ! ، ولما غاب عنهم أياماً لمناجاة ربه اتخذوا لهم عجلاً من حُـليِّهم الذي هو أحبُّ شيء إليهم وعبدوه ! لِما رسَخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين وإعظام معبودهم ( أبيس ) ، وكان اللهُ تعالى يعلم أنهم لا تطيعهم نفوسُهم المَهينةُ على دخول أرض الجبارين ، وأنَّ وعده تعالى لأجدادهم إنما يتمُّ على وِفق سنته في طبيعة الاجتماع البشري إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية للبشر وفساد الأخلاق ، ونشأ بعده جيلٌ جديدٌ في حرية البداوة ، وعدلِ الشريعة ونورِ الآيات الإلهية ، وما كان اللهُ ليهلك قوماً بذنوبهم ، حتى يبين حجته عليهم ، ليعلموا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم ، وعلى هذه السُّـنَّة العادلة أمر الله تعالى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ، بعد أن أراهم عجائب تأييده لرسوله إليهم ، فأبوا واستكبروا فأخذهم الله تعالى بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم قوماً آخرين ، جعلهم هم الأئمة الوارثين ؛ جعلهم كذلك بهممهم وأعمالهم ، الموافقة لسنته وشريعـته المنزلة عليهم " . ـ ... ثم قال رحمه الله ..." إنَّ إصلاحَ الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد ، إنَّما يكون بإنشاء جيلٍ جديدٍ يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها . وقد كان يقوم بهذا في العصور السالفة الأنبياءُ ، وإنما يقوم بها بعد ختمِ النبوة ورثةُ الأنبياء ، الجامعون بين العلم بسنن الله في الاجتماع ، وبين البصيرة والصدق والإخلاص في حبِّ الإصلاح ، وإيثارِه على جميع الشهوات " ( تفسير المنار ) . ـ أقول : ـ ـ1ـ) التيه كان ضرورة ليرتقي القوم لمستوى الرسالة ، كي تتغير نفوسهم وطباعهم ، فالرسالة لا تُصلِح ولا تَصلُح لمن فقد بوصلة الحياة ، وصارت الذلة والعبودية طبعاً له . وهؤلاء كان معهم رسول ، ومع الرسول كتاب رباني ، فيه منهج للحياة ، ومع ذلك لم يشفع لهم كل ذلك ، ولم ينفعهم كل ذلك ! لماذا ؟! لأنَّ الرسول لا ينجح بين العبيد ، والمنهج الرباني لا يرتقي بمن فسدت أخلاقهم بالظلم والاضطهاد . ولكن عندما غيَّر الـتيهُ نفوسَ القوم ، وصاروا مؤهلين لحمل الكتاب والمنهج حملوه ، وجديرين بدخول الأرض المقدسة دخلوها ، مع أنَّ موسى عليه السلام كان قد مات في التيه ، مما يدلُّ على عدم ضرورة وجود الرسول بعد قيامه بالتبليغ لحمل المنهج ، وللجدارة بوراثة الأرض . ـ وهذا يفسر التيه الذي نعيشه بالرغم من وجود كتاب ومنهج ، ورسول وسنة ! وهذا يفسر نقص الفاعلية أو انعدامها في جهود الإصلاح ، وعجزها عن تحـقيق النتائج المرجوة خلال العقود السابقة ! أو دعني أقل : خلال القرون الماضية ! ـ ـ2ـ) والسبب في ذلك كما تعلمنا الآية أنَّ البداية يجب أن تكون بإعادة إنسانية الإنسان إليه ، قبل الحرص على تعليمه تفاصيل المنهج ، لأنَّ المشكلة ليست في الجهل ، ولا في بعض الانحرافات ، فالإنسان الفعال الحر يستطيع تحقيق أهدافه في الحياة بصرف النظر عن العقيدة التي يتبناها ، فالمسألة مسألة أسباب من أخذ بها سيحقق مراداته ، فعلى هذا أقام الله سبحانه وتعالى الدنيا . ـ ـ3ـ) نعم ... البداية تكون بتقديم المنهج للإنسان ، ولكن السؤال المهم هنا : هو في الكيفية ، إذ عندما يكون الإنسان كما كان بنو إسرائيل ، وكما نحن الآن ، لا تكون البداية في الحرص على جعله يصلي قبل أن نعيد الحياة إليه ، وعلامات الحياة : إعادة الشعور بالعزة إليه ، وتعليمه على رفض ظروف القهر ، وتفهيمه أن استحقاق منزلة وراثة الأرض إنما تكون بهمته وعمله الموافقة لشريعته المنزلة عليه ، وإقناعه أن التغيير المنشود لا يكون بانتظار المهدي أو أي مخلص آخر ، فالمهدي لن ينجح مع جيش من العبيد ، ومجموعة من المقهورين ، والمخلص لو جاء حقاً فسوف نقتله ما دامت حالتنا هذه الحالة ! ـ ـ4ـ) أقول لكم ما هي المشكلة ـ كما أعتقد ـ : إنها في أننا نسعى لإحداث التغيير بنفس الظروف التي كانت سبب المشكلة ! إنك لا تستطيع إعادة الحياة للعالم الإسلامي بنفس الإنسان الذي صنع التخلف . إن المشكلة في الإنسان من داخله ، وكل الظروف والعوامل التي هي خارج حدود النفس البشرية لها أثرها ، لكنها في النهاية ليسـت هي المعتمدة في تفسير المشكلة ، وأي بداية تنطلق من هذه العوامل ستنتهي بالفشل ، وسيفشلها ذلك الإنسان الذي يعاني من فقد إنسانيته . ـ ـ5ـ) لا يمكن ـ بحسب فهمي ـ أن يعيد القدس ذلك الجيل الذي ضاعت على يديه ، أو الجيل التالي الذي لا يختلف كثيراً عن سابقه ، ولا يغرنك زيادة نسبة التدين ، أو حالة ما يسمى بالصحوة الإسلامية ، فالذين كانوا مع موسى عليه السلام كانوا يؤمنون بالله تعالى ، ويصدقون بموسى عليه السلام ، ويصلون ، ويسبحون الخ السلوكات الظاهرة ، ولكنهم كانوا مسحوقين ، كانوا لا يزالون يعيشون حالة العبودية وإن خرجوا منها في الظاهر ، فبجرد إحساسهم بالجوع أو ضيق الحياة يلومون موسى عليه السلام على إخراجهم من مصر ، فهم يفضلون العبودية مع الطعام والشراب ، على حياة العز والحرية مع قليل من شظف العيش ! ـ فهل نختلف عنهم ؟ كيف ؟ ونحن نثور ـ إحياناً ـ من أجل رغيف الخبز ، وكل المآسي التي نجلس عليها لا تهزُّ لنا قصبة ، ولا تحرك فينا شعرة ؟! والمأساة التي تحركنا هي المأساة الجديدة ، ثم لا نلبث أن ننساها ، ونضيفها إلى جبل المآسي التي نجلس عليها ، وخصومنا يعرفون هذا الخلق فينا لذلك تراهم يسمحون لنا بالتعبير والتنفيس لحظة الحدث لأنهم يعرفون أننا سنبرد بعد قليل وكأن شيئاً لم يكن . ـ ـ6ـ) وهل نختلف نحن ؟ ونحن لا نعيش الظلم فقط ، بل ندافع عنه ، بل ونُـشَرْعِنُهُ ، ومن بعدُ نُسوِّقه على أنه الوضع الأنسب ، خوفاً من أن يأتي وضع ( أوسخ منه ) ! ـ ـ7ـ) وتبلغ المأساة قمتها لأننا نجمع في نفس الوقت ثالوثاً يكفي واحد منه لسحق أي أمة ، فكيف وقد جمعنا الثلاث : فقد إنضاف لذلنا ، وقهرنا ، جهلنا بديننا كما هو ، وجهلنا بسنن الله في الاجتماع ، ثم أننا تشبعنا بثقافة محرفة على مدى قرون نسميها كما سماها مالك بن نبي رحمه الله : ثقافة قاتلة ، أورثت هذه الثقافة تدينا منحرفاً ، أصبح ـ أي هذا التدين ـ هو بذاته من أهم عوامل الفساد والانحطاط ! ولا حول ولا قوة إلا بالله . ـ إننا نعيش حالة فسق مع أننا نتدافع على أبواب المساجد ، ونملأ عرصات عرفات ، إننا نعيش حالة فسق ما دام الذي يبنون المساجد هم أنفسهم الذين يساهمون في نشر الفاحشة بين المسلمين ! إننا نعيش حالة الفسق ما دمنا أذلاء مقهورين راضين بالظلم ... هكذا يجب علينا أن نفهم الفسق ، إذ هكذا أرادنا الله سبحانه أن نفهمه ، ولذلك فإنني أقول لكل من يعجب ، أو يسوؤه الحال ، أقول له كما قال ربنا عز وجل : " فلا تأس على القوم الفاسقين " .ـ
 |
اللهم ارفع الذل والضيم عن أمتي ...اللهم أعد مجد أمتي وعزها..اللهم استعملنا ولا تستبدلنا
الغريب الشامي