|
الخميس, 28 يناير/كانون ثان 2010 21:39 |
|
ـ" الخروج من التيه"ـ
إبراهيم العسعس 27 ـ 1 ـ 2010 يقول الله عز وجل : " الرحمن . علَّم القرآن . خلق الإنسان . علَّمه البيان " ( الرحمن : 1 ـ 3 ) . قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعليقاً على هذه الآية : ( ... ونبَّه تعالى بنكتةٍ لطيفة على أنَّ الإنسان لا يكون إنساناً إلا بالدين ، ولا ذا بيانٍ إلا بقدرتـه على الإتيان بالحقائق الدينية ، فقال تعالى : " الرحمن ... الآيات " فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق الإنسان ثم بتعليم البيان ، ولم يُدخل الواو فيما بينها ! وكان الوجهُ على مُـتعارَف الناس أن يقول : خلقَ الإنسان وعلَّمه البيان وعلَّمه القرآن ...
فإنَّ إيجادَ الإنسانِ بحسَب نظرنا مقـدمٌ على تعليم البيان ، وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن ، لكن لما لم يعد الإنسان إنساناً ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن ، ثم قال : " خلق الإنسان " تنبيهاً على أنه بتعليم القرآن جعله إنساناً على الحقيقـة . ثم قال : " علمه البيان" تنبيهاً على أنَّ البيان الحقيقي المختص بالإنسان يحصل بعد معرفة القرآن ، فنبه بهذا الترتيب المخصوص ، وترك حرف العطف منه ، وجعل كلَّ جملةٍ بدلاً مما قبلها لا عطفاً ، على أنَّ الإنسان ما لم يكن عارفاً برسوم العبادة ، ومتخصصاً بها لا يكون إنساناً ، وأنَّ كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بياناً ) " تفصيل النشأتين : 70 " . وأقول : 1 ) اتفقنا في المقال السابق ـ كما أفترض ـ أنَّ الأمة تعيش مرحلة التيه ، وأنَّ أهم معالم هذه المرحلة : حالة الرضى بالذل والظلم والقهر ، وحالة الجهل بمفاهيم الدين المُحـرِّكة ، وممارسة حالةٍ من التدين المنحرف بمفاهيم ميتة قاتلة هي السبب الحقيقي وراء أزمة الأمة ، والتي لا تغني عنها مفاهيم التدين الفردي أو مظاهر التدين في باب الشعائر أو بعض السلوكات. 2 ) وفي التيه وبهذه المواصفات لا يستطيع الإنسان أن يحمل منهج تغيير ، ومشروع نهضة ، لسبب بسيط هو أنه لا يكون إنساناً في هذه الحالة ! ومن لم يكن إنساناً كيف له أن يفكر بالتغيير أو النهضة فضلاً على أن يعمل بهما ؟! إنه إنسانٌ ـ وافق الأصفاني على وصفه بالإنسان على مقتضى تعارف الكآفة ، أما قضية العقل والشرع فتـقـتضي أن لا يُسمَّى به إلا مجازاً ـ بلا أحاسيس ، بلا شعور بالأزمة ، بل إنَّه في أحيان كثيرة يدافع عن الأزمة !!! 3 ) هذه الحالة لا يستطيع الإسلام أن يُـنتج فيها ، لأنه لا يمكن أن يعمل في ركام إنسان ، أو مع إنسان مجازي على رأي الأصفهاني ! الإسلام جاء ليتفاعل مع إنسان جاهز للتفاعل ، وإلا فإن النتيجة ستكون مآساة بلا حدود ، فإن الأرض غير القابلة لاستـقبال الماء لن تَـفيد ولن تُـفيد ، قال الله تعالى تأكيداً لهذا المعنى المهم : " وإذا ما أنزلت سورةٌ فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه إيماناً ؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " ( التوبة : 124 ، 125 ) وهذا كما في قوله تعالى : " وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة ، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً " ( الإسراء : 82 ) . قال ابن كثير تعليقاً على هذه الآيات :" وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سبباً لضلالهم ودمارهم ، كما أن سيء المزاج لو غُذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالاً ونقصاً " . نفس المنهج يفعل فعلين ؛ فمرة يكون سبباً في الهداية والتقدم ، وأخرى يكون سبباً في الضلالة والتأخر !! وهذا دليل على أن العبرة بالمتلقي وقابليته الأساسية للتفاعل ، إذ حتى المنهج الإلهي لا ينجح إلا مع الإنسان . 4 ) والنكتة التي نبَّـه إليها الأصفهانيُّ في غاية الأهمية ، فالإنسان لا يكون إنساناً إلا بالدين . ولكننا نعكس فنقـول : وكذلك فإن الدين لا يؤدي دوره إلا مع الإنسان . إنَّ الدعوة الإسلامية لم تنجح إلا لأنَّها نزلت على إنسان الجزيرة العربية الذي يمتلك القابليات لتحقيق التغيير والنهضة . فالله أعلم حيث يجعل رسالتَه ، يعني على من ؟ وفيمن ؟ وأين ؟ هكذا أفهمها ، ولا أحصرها في شخص النبي صلى الله عليه وسلم . ولقد كانت هذه الخيارات الثلاثة الموضوعية أحد أهم أسباب نجاح التغيير على مستوى الدعوة ، وعلى مستوى الدولة . وكان هذا ضمن نطاق عالم الأسباب ، وسنن الله الجارية لا سنن الله الخارقة . إن الدعوة الإسلامية نجحت بالتخطيط والعمل لا بالمعجزات ، وتـقـدمت بجهد إنسان فعَّـال ، لا بإنتظار مسلم يتوقع التغيير لأنه يصلي ويصوم ويحج ويزكي ... 5 ) وهكذا فعلى الذين يريدون تكرار التجربة ، والخروج من التيه ، البدء من صناعة الإنسان ، وإعادة صياغة المسلم الذي فقد إنسانيته نتيجة تراكمات تاريخية كثيرة سنأتي على ذكرها في حينه . لقد مضى حين من الدهر وحركات التغيير والنهضة ، هذا إن كان في ذهن بعضها تغيير ونهضة ، وهي تبدأ من نقطة المعرفة والسلوك ، بمعنى أنهم اعتبروا الذي ينقص المسلم بعض المعرفة ، وشيئاً من السلوك ، أو أنهم اعتقدوا أنها أزمة معلومات ، أو أزمة وعي على بعض المظاهر ، فإذا بنا وبعد عشرات المحاولات نتحرك في مكاننا ، ,إذا بنا نغزل ثم ننقض غزلنا ، وكان إنسان التغيير الذي توهمنا أننا أعددناه ينقض على أمته بعد أن يتمكن ، أو يمارس التخلف الذي قام من أجل محاربته ! لماذا ؟! لأنه قام يصلح وهو يحمل نفس الظروف التي صنعت التخلف والضلال ، يعني أنه قام يعمل من داخل المنظومة التي صنعت الجهل والتخلف واللافاعلية ! 6 ) لنخرج من التيـه علينا أن نعيد إنتاج الثقافة التي حرَّرت وغيَّـرت ونهضت بالإنسان ، وعلينا أن نبحث عن الإنسان الذي سنعطيه المعرفة والسلوك . السؤال يتلخص في كيفية تـشكيل المنهج الثابت الصافي لتقديمه للمسلم مع إلغاء فكرة أننا نتعامل مع مسلم جاهز تنقصه بعض الأمور ! إنه ما لم نتخلص من بقايا الأفكار الجاهلية التي تشكل أداءنا فلن نخرج من التيه ، وسنبقى ندور ونلف حول أنفسنا كما تاه بنو إسرائيل في مساحة صغيرة من الأرض ، حتى جاء جيل يحمل صفات أخرى وبنفس المنهج الذي لم يعمل بين يدي الساقطين تحرر الجيل الجديد . 7 ) إنها الملاحظة الشديدة التي صعق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه ، أصدق الناس لهجة ، وصاحب الإيمان القوي ، عندما قال له : " إنك امرؤ فيك جاهلية " !! وللخروج من التيه منافذ أخرى ، والبحث عنها جارٍ .
بالتعاون مع موقع التغيير www.altaghyeer.com
 |
مقالتك تقطر نوراً .. ربنا ينفع بجهدك
أتمني أن تعطيني رأيك في كتابي الجديد " نحو مجتمع الحرية " خطوات في الطريق من التيه إلي الرشاد .. دار الصفوة