|
الجمعة, 05 فبراير/شباط 2010 21:43 |
|
إبراهيم العسعس 5 ـ 2 ـ 2010
عُـقِـد في التاسع عشر والعشرين من الشهر الماضي في الكويت أول لقاء لمجموعة من المفكرين للتباحث في تأسيس منتدى للمفكرين المسلمين . وكان ذلك بدعوة وإشراف من مركز أبعاد للدراسات والتدريب في الكويت . وفيه تمَّ الاتفاق على
المحاور العامة التي تشكل الرؤى والأهداف للمنتدى . وقد انفض اللقاء على موعد بلقاء ثانٍ تُستوعب فيه أعداد أكثر من مفكري العالم الإسلامي ، بعد أن تكون خطوات التأسيس قد أصبحت أمراً مقضياً ، والرؤى والأهداف قد أخذت حقها في التبلور والرسوخ . والحقيقة أنني لا أريد التحدث عن المنتدى من خلال ما ذكر في لائحة الدعوة ، أو ما عرض في اللقاء الختامي ، ولكني سأحاول أن أفصِّل قليلاً ، من خلال الرؤية الخاصة ، والأمل الذاتي الذي انطوى عليه الفؤاد سنوات عديدة . 1 ) هناك حساسية لدى كثير من طلبة العلم تجاه المفكر ، وما ينتجه المفكر ، وحجتهم لها وجه في كثير من الحالات ، إذ إنهم يعترضون ـ أولاً ـ على قائمة طويلة وعريضة ممن ينتسب إلى الفكر ، ويسمى بالمفكر الإسلامي ، وليس له حظ من هذا الوصف إلا الكلام والمداد ، فهو بعيد عن الإسلام وقواعده ، ويصدر فيما يصدر عنه من خيالات يلبسها ثوب الإسلام ، ويكيفها بسوء فهمه أو ظنه تكييفاً مبنياً على جملة هنا وعبارة هناك مما يلتقطه من كلام أكابر العلماء ، مبتوراً عن سياقاته ، قاصراً عن فهم مراداته ، بانياً بذلك نظرية ـ هكذا يحبون تسمية ما تلفظه أوهامهم ـ يريد حمل الأمة عليها ، لظنه بأنه أتى بما لم تستطعه الأوائل ! ويعترضون ـ ثانياً ـ على صنف آخر ممن يسمى بالمفكر الإسلامي ، ولكنهم طيبون لا يُـتهمون ، ولهـم من الثـقافة الإسلاميـة حـظُّ لا بأس بـه ، أرجـو أن تعيـرني إنتباهك ، أقول الثقافة الإسلامية ، فهو قد مرَّ بالمصنفات ، واطلع على كلام الأئمة ، وسمع وقـرأ ، فهـو يعرف ـ مثلاً ـ أنَّ الأربعين النووية للإمام النووي ، بخلاف الصنف الأول الذين قد يظنُّ أحدهم أنها أربعون رأساً نوويةً يبحث عنها البرادعي ! يعني هو رشف ولم يتضلع ، طاف ولم يتعمق ، مرَّ ولم يرسخ ! يقول العلماء أو بعضهم : هؤلاء يتحدثون في الإسلام وليسوا من أهل الفن ، ومن تحدث في غير فنه أتى بالعجائب كما قال ابن حجر رحمه الله ! وأقول وبكل صراحة : هذا تخوف صحيح ، واحتياط مشروع ، والجدال فيه إضاعة للوقت لأنه جدال في المحسوس الملاحظ فالقوم أساؤوا ولا يزالون . ... ولذلك فإن من مسوغات وجود المنتدى أن يجمع المقبولين من أهل الفكر مع المقبولين من أهل العلم ليقول للطرفين : ما عاد لكما عذر في التراشق عن بعد ، والاكتفاء بالتصنيف والرد اعتماداً على القيل والقال ، وسمعت وظننت . يريد المنتدى أن يسيج جهد المفكر بالعلم المؤصل ، وفي نفس الوقت يريد من أهل العلم أن يوسعوا رؤيتهم ، بالانتـفاع بما عند المفكر . يريد المنتدى أن يقول : لا فضل لأحد على أحد ، ولكنه التخصص الذي يكيف قدرات الإنسان ويوجهها باتجاه معين ، فيسبق غيره في هذا الاتجاه وحسب ، في حين يسبقه الآخر في اتجاه آخر ، ولقد قال الفقهاء قديماً للمحدثين : أنتم الصيادلة ونحن الأطباء . ولقد صدقوا وبالعدل نطقوا . ولا يزال يرن في أذن التاريخ قولهم : فلان عقله أكبر من علمه ، وفلان علمه أكبر من عقله . فلماذا يريد بعضهم أن يكون فاكهة العام كله ؟! وإن أمكن فسيكون انتفاخاً بلا مضمون ، وشيئاً بلا طعم أو رائحة ، تماماً كفاكهة الصيف التي ينتجونها في البيوت البلاستيكية ، وينفخونها بالهرمونات المسرطنة ، وهكذا فنحن لا نريد علماء أو مفكرين مهرمنين مسرطنين تربوا في البيوت البلاستيكية ! 2 ) عندما أخبرت أحد الأصدقاء من طلبة العلم عن تأسيس المنتدى أخذه العجب كل مأخذ ، وقال لي : معقول ، ( مش ممكن ) ، المفكرون نخبويون بعيدون عن الناس ، أظنُّ ـ والكلام لا زال لصاحبي ـ أنهم لا يحبون الجلوس حتى مع بعضهم !! وبصراحة مرة أخرى أقول : صدق صاحبي ! فعدد لا بأس به ممن ينتسب إلى الفكر منعزل في صومعته ، مقتصر على ما يعرف ، لا يختلط بالآخرين ، ولا يوسع أفقه ! ولو وقف الأمر عند هذا لقلنا : رجل اختار لنفسه العزلة فهو وما اختار . ولكن المشكلة أنه يكتب ويصدر للناس فكراً صادراً عن أفق ضيق ، منعزل لا يتخيل وجود غيره ، ظاناً أنه جاز القنطرة ، ولذلك فإنك ترى أحدهم ينتفض إن وُجه إليه نقد أو نقض . المشكلة أن عزلته هي التي تكتب له ، ويريد بعد ذلك حمل الناس على ما أنتج دون تردد ! إن مثل هذه العزلة ضارة بالمفكر ، فالمفكر يحتاج لوسط جماعي يكتسب منه ، واستمرار التلقي ضرورة وجود وليس من نافلة الأمور . وكيف يفهم آراء الآخرين ، وكيف يستوعب ظروفهم وهو بعيد عنهم جالس في بيته ؟! ... يريد المنتدى أن يقول : أيها المفكرون افتحوا نوافذ عقولكم ، واستمعوا ـ فقط استمعوا ـ للآخرين . اخرجوا من صوامعكم والتحموا بالحياة ، حتى تكون مخرجاتكم نتيجة وعي وإحاطة . ايها المفكرون التـقـوا وتعاونوا ، والمنتدى يقدم لكم هذه الفرصة على طبق من الراحة ، فقط تعالوا إليَّ وأنا أوفر لكم المحضن ، ولنجرب ثم لننظر عما تـنجلي . 3 ) اللقاء مهم ، إنه ضرورة لاستيضاح الموقف ، ومعرفة ما الذي ينبغي فعله في الوقت الراهن . الناس يتفاوتون في الاطلاع ، يتنوعون في الاهتمامات ، واللقاء يكمل الصورة ، والنقاش يقدم خيارات لما يجب فعله ، فقد لا توجد عند الكثيرين فكرة عما يجب أن يفعل . اللقاء وتبادل المعلومة ، وفهم ما يحصل ، ومعرفة ما ينبغي فعله يؤدي إلى التنسيق والتسديد والتوعية . واللقاء ـ وهذا من أهم الأهداف ـ يكسر الحواجز بين المفكرين ، ويزيل كثيراً من سوء التفاهم الناتج عن المعلومات المقتنصة عن بعد بلا تدقيق أو تحقيق . ... المنتدى مع كل هذا يطمح لدور للمفكرين ؛ دور يخرج بهم من ضيق الأنا والعزلة ، إلى سعة النحن والاشتباك مع الحياة والناس وهمومهم وقضاياهم . البحث عن دور عادة الأحياء ، والمنتدى يطمح أن يشارك المفكرون بدور في صياغة مستقبل الأمة ، وصناعة الإرادة العامة للأمة . وفي جعبة المنتدى الكثير ولكنها مقدمة للتعريف نسأل الله أن يسدد ويوفق ، ويعين على التعاون والتفاعل .ـ www.altaghyeer.com
 |