ـ  قانون عظيم : غيِّر نفسك تُـغيِّر التاريخ

الرئيسية المقالات فقه التغيير " الرسول والرسالة "
" الرسول والرسالة " PDF طباعة البريد الإلكترونى
Font Size Larger Font Smaller Font
الخميس, 25 فبراير/شباط 2010 22:23
ـ" صناعة الظرف "
إبراهيم العسعس
25 ـ 2 ـ 2010

      وقف أبو بكر رضي الله عنه على بعد أمتار من حبيبه رسول الله صلى الله عيه وسلم وهو  مُسجَّـاً في بيت عائشة رضي الله عنها ، يُعلن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي نفس الوقت يعلن استمرار الرسالة . وكأنه بهذا يعلن أنَّ ولادته صلى الله عليه وسلم ولادة رسالة أراد لها الله سبحانه أن تستمر بصرف النظر عن ذات الرسول صلوات الله وسلامه عليه . وهذا المعنى الذي استحضره الصديق رضي الله عنه متغلباً على صدمة موت ذات الرسول صلى الله عليه وسلم ، في حين غاب عن نخبة النخبة التي كانت موجودة حوله صلى الله عليه وسلم ، هذا المعنى متضمن في قوله تعالى : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل .... " . والفرق شاسع بين المعنيين ؛ معنى أن تدور الرسالة حول الرسول حيث تهتز بعد موته ، ومعنى أن يكون الرسول في خدمة الرسالة حيث تنتهي مهمته بتمامها .
   ونحن نتحدث عن استمرار الرسالة من خلال التجسد في الرجال المناسبين الرساليين ، ومن خلال الظرف الذي تنجح فيه الرسالة ، لا بد من الحديث عن الولادة ، لا على طريقة الموالد التي تحصر القضية في مظاهر ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم وما احتف بها من خوارق لا يصح أغلبها !! بل على أساس أنَّها ظاهرة مرتبطة بالظرف ، أي بالمكان ، والشخص ، والناس . بهذا نفهم قوله تعالى : " الله أعلم حيث يجعل رسالته ... " أي : على من ، وفيمن ، وأين ؟ أما الطريقة الأولى فتـفـسر الآية ببعد واحد وهو بعد : على من ؟
    والحصر في الحقيقة لن يقدم القضية على أنها ظاهرة قابلة للاستمرار إذا استمر الظرف ، وقابلة للتكرار بصناعة الظرف . ومن ثـَمَّ تتوقف الرسالة عن القيام بدورها في التغيير ، ولن تكون حينئذ رسالة لصناعة المستقبل ، بل ستكون رسالة تاريخية تصلح للقـصِّ لا للتكرار .
    إن مفهوم ختم النبوات بمحمد صلى الله عليه وسلم يقتضي أن تستمر الرسالة ، أي استمرار عملية التغيير والإصلاح ، وهل يمكن أن تستمر هذه العملية دون دراسة معمقة لأسباب النجاح أول مرة ؟! إنَّ المادة التي قدمها الإسلام ، وطريقة تقديمه لها ، والظرف الذي قُـدمت فيه المادة وراء تحقيق التغيير ، وحصول النهضة . وعندما تقدمت حركات النهضة لتكرر التجربة ، ولتستمر بالظاهرة ، قدمت إجابة منقوصة وعامة في نفس الوقت ! لقد افترضت أن الذي ينقص المخاطبين الإسلام ، على اختلافٍ في التفاصيل والأولويات ما بين حركة وأخرى . واعتبرت بهذا أنَّ التجربة الأولى ستنسخ تلقائياً ، وستعطي نفس النتائج .
    لم ينتبه الكثيرون إلى اختلاف طبائع المجتمعات الإنسانية ، وإلى قابليات المخاطبين التي تتعلق باستقلال العقل ، والإرادة ، وفهم المسؤولية عن الواقع الاجتماعي ، وغير ذلك مما يتعلق بفاعلية الإنسان وصلاحيته لحمل الفكرة وإدارة التغيير ، واستكشاف آفاق النهضة . فكان أن قدمت الأفكار لأمة ميتة ، وجددت مقولات خطيرة عظيمة .. ولكن في جسد ميت !
    كان من المفروض التوجه إلى صناعة الظرف ، وإعادة ( توليد الأمة ) ، لأنها في الحقيقة ليست موجودة .
 إنَّ نجاح الرسالة كان بسبب ولادة شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي ولادة لها أول ولها آخر، وولادة الرسالة كظاهرة مستمرة مرتبطة بشروط مادية ملموسة ومفهومة وموضوعية ، يستطيع أي مجتمع بعد دراستها وفهمها أن يكررها ، بمعنى أن يولد بها . أما علاج الداء بالداء فلن يجدي نفعاً ، وسيقتصر على انتاج مخلوقات مشوهة لم تتغير إلا في حدود :
تطوير القدرات الكلامية ...
وتكثيف المعلومات ...
وتغيير الأشكال ...
وتوسيع الدائرة المعرفية ...
فماذا عن حزمة الأوبئة النفسية والإجتماعية التي أصبنا بها منذ قرون ؟ الجواب بكل بساطة لقد بقيت في داخل كل واحد منا ، فلا التعليم الخاطيء أذابها ، ولا غيره من المظاهر. لم تحدث الولادة بطريقة صحيحة ، لأنها لم تكن تجديداً بل كانت ترميماً ، أدى إلى مخرجات منفصمة تحمل عشرات التناقضات .
    وعلى الذين يشتغلون في النهضة أن يعيدوا دراسة مرحلـة المولد ـ بالمعنى الذي أشرنا إليه ـ كي يعيدوا التأسيس للظاهرة بصناعة ظرف ااتغيير بإعادة تشكيل الإنسان ، وتثوير قابلياته .
www.altaghyeer.com  

     

(التعليقات) (1)Add Comment
المغرب
أرسلت بواسطة بوتوميت بوجمع, كتبت بتاريخ 21-06-2010
أحسنتم سيدي في محاولة استكناه السيرة العطرة وقراءتها قراءة فاعلة في الواقع لامنفعلة به تغالب شروطه واكراهاته لتمانعها وتصوبها لخدمة الانسان لا أن تصبح السيرة تبريرا للعجز عندما نقرؤها لنعارض الواقع ونرفضه فقط دون أن نصنع حلولا واستراتيجيات لقضايا أمتنا الحساسة بل المحظور الحديث عنها في تاريخ المسلمين منذ انكسار الخلافة على منهاج النبوة وبروز الملك الوراثي العاض والجبري بالمصطلح النبوي الذي يعض على بيعة الاكراه ويمنع الحديث في قضايا الامة الحساة ....... حفظكم الله

(أضف التعليق)
اصغر | اكبر

busy
 

التاريح والوقت


Previous التالى
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11

" الأخوان المسلمون ... والرهان الخاسر "

  إن جاز للإنسان أن يندم على وجهة نظر تبناها مدة من الزمان ، بناء على معطيات معينة ، وظنٍّ ما ، فأنا نادم على أنني وطوال عام كامل اعتقدت ـ محاولاً نسيان ما أعرف...

الدكتاتورية أم الدكتاتور ؟

 طوال مئة عام ، لا بل قرون ، هل كنا نتصارع مع الدكتاتور أم مع الدكتاتورية ؟ مع الظلم أم مع الظالم ؟ مع الاستبداد أم مع المستبد ؟  باختصار : هل كان صراعنا من أجل...

" المحبة والعدالة "

25-8-2007إبراهيم العسعس      إذا قلت الصداقة ، فقد قلت المحبة .  لو أقام الناس أمورهم على المحبة ، لاستقامت حياتهم ! ولكن الحكيم الخبير يعلم أن الخلق لا يلتزمون...

المسؤولية : أنا ، المحنة ، الآخر

     القاعدة القرآنية :         أكدها القرآنُ صارخةً بينةً ، وأرسلها قاعدةً قاطعةً ، في منهج تـفسير المسؤولية عن الحدث . كان ذلك بعد معركة أحد ، فقد تعجب الصحاب...

" تعلـيـم الصداقـة "

`11-9-2007إبراهيم العسعس             هنـا والـدٌ يستـعدُّ للافـتخار بولـده ، وذكـرِ محاسنه ، فانـتبه إليه جيداً ، وأرْعِهِ سمعك ..." ابني ـ وما أدراك ما ابني ـ ...

" الإنذار المبكر "

`11-9-2007إبراهيم العسعس             هنـا والـدٌ يستـعدُّ للافـتخار بولـده ، وذكـرِ محاسنه ، فانـتبه إليه جيداً ، وأرْعِهِ سمعك ..." ابني ـ وما أدراك ما ابني ـ ...

" الرنـتيسي ... الـثوري المنسجم "

           عندما تـنشأ في مخيم... لا يمكن ـ إذا كـنت منسجماً ـ إلا أن تكون مجاهداً أو مشروع شهـيد ، أو ـ بعد ذلك ـ شهـيداً . هـذا منـطق الأمـور ... وهـذا الـذي ...

نحن والتاريخ

       حيث يتداخل التاريخ مع المبدأ عند كثيرٍ من الناس ! يكون الكلامُ عنه نوعاً من الكلام في المقدس !وعندما يكون التاريخ مجرد ماضٍ ميت ، يكون مجرد حكاية ! وغالب...

'وما (يختلفان) في كبير'

 ابراهيم العسعس   6-8-2007   هل تذكرون قولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في القبرين اللذين مرَّ بهما؟ أظنكم تذكرون، فهو حديثٌ مشهور لا يغيب عن أمثالكم، لكن لا ...

الفكر السياسي

 إنَّ عملية التغيير والنهضة لا يمكن أن تتم بدون معرفة لعلاقة المجتمع بالسلطة ، والوعي على حدود سلطة الحاكم ، وهذان الأمران جزء مما يسمى بالفكر السياسي .

" هكذا أنـا "

12-8-2007إبراهيم العسعس             كان يا ما كان في سالف العصر والأوان ، والآن ، وفي كلِّ آن ...  كان هناك امرأةٌ حكيمة ، رأت أنَّ ابنها بلغَ مبلَغ من يحقُّ له...

" كن كما أنت "

 16-8-2007إبراهيم العسعس  صديقي العزيز :      أرجوك لا تبدأ علاقـتـنا بالتمثيل ، كن كما أنتَ . لا تُقدم نفسك على خلاف حقيقـتك . اعرض نفسك على سجيتها كي آخذُ فرص...

" الترابي ... مرارة انقلاب التلاميذ "

        الخبر : قال الترابي في تصريح لقناة الجزيرة الفضائية الاثنين 14ـ7ـ2008 : " على السودان تقبل قرارات المنظمة الدولية ( الأمم المتحدة ) ما دمنا أعضاء فيها "...

نحن والتاريخ ..تجربة القرود

  ـ                                                    تجربة القرود   وضع أحدُ الباحثين خمسة قرود في قفص، وعلَّق في سقفه قطفاً من الموز، وتحته وضع سلماً !قرود و...

" ... من ترضون دينه وخلقه ... "

 12-7-2007إبراهيم العسعس  ما الذي يُحدِّد المسافة بين اثـنين ؟لحسن حظنا الجواب موجود عند المعلم صلى الله عليه وسلم " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه " . فز...

"الصـديق الكذاب! "

18-7-2007إبـراهيـم العـسعـسالصديق الكذاب ! عنوان غريب ؟ أليس كذلك ؟! إذ كيف يكون صديقاً وكذاباً في نفس الوقت ؟ الصديق مشتـق من الصدق ، فلا يمكن أن يكون كذاباً ....

" الوصل والقطع "

 30-7-2007إبراهيم العسعسالقطعُ كلُ أحدٍ يُحسنه ، أما الوصل فلا يُـتـقنه إلا المحسنون . الأول لا يحتاج لأكثر من سكينٍ ماضٍ ، ويـدٍ قـوية ، ثمَّ انظر كم ستـقطع من...

الصداقة والاصدقاء 1

        الصداقة والاصدقاء 128-6-2007إبراهيم العسعس  منـذ أنْ كان على الأرض اثـنان، والبحث عن الصديق مشكلة الـبشرية ! ولا تـُصدقـوا أبداً أنَّ استـحالة وجـود الخ...

منهج دراسة التاريخ 1

ـ                                                       منهج دراسة التاريخ 1   من حقِّ هذه الحلقة أن تكون الأولى ، ففيها تأصيلٌ لمنهج الدراسة في قسمها الأول الم...

منهج دراسة التاريخ 2

 أخطر ما وقعنا فيه ونحن ندرس تاريخنا ونستلهمه، هو استدعاء الحدث التاريخي طلباً لتكراره! وليتنا نستدعي الحدث بكل أركانه، إذن لقلنا إننا ندرس لنوفر الشروط الموضوع...

الصداقة والأصدقاء2

 7-7-2007إبراهيم العسعس                                                                             ... وهكذا فالصداقةٌ فنُّ إدارةِ المسافةِ بيـن اثـنين.ولكن كي...

" (ضـرورة الـتـغـيـيـر ) "

     تكـفيك نظرةٌ سريعة على المواقع الإسلامية ، وتصفحٌ لن يأخذ منك كثيراً من الوقت كي تخرج بالـنتـائج الـتالية :           1 ـ أنَّ كثيراً من المواقع يصلح لعصر ...

" عن الباكستان ... جريمة عمرها ستون عاماً "

  إبراهيم العسعس        فـتِّـش عن الإنجليز !         انظر إلى الخارطة ، سترى بصمتهم في كل خطوطها !إنَّهم رواد الاستعمار الحديث ، وهم الذين اخترعوا تقسيم البلاد...

" محـمد جـلال كشك "

    إبراهيم العسعس         نصيحة لوجه الله، بِمُجرَّد أن تُـنهي هذا المقال توجَّه لأقـرب مكتبةٍ وابتع أيَّ كتاب تجده لهذا الرجل، ولا مانع ـ إن استطعت ـ أن تبتاع...

" إيـقـاظ " الـصحـوة الإسلامية

 إبراهيم العسعس          الصحوةُ في سبـيلها إلى الـنوم ! ... فلا بُـدَّ ـ إذن ـ من يَقَـظة قوية !بدايةٌ مزعجةٍ لـقـضيةٍ غيرٍ مفكر فيها عند كثير من الناس.. لكنَّ...

لك تقرع الأجراس

   ابراهيم العسعس"ما أحسنُ بيتٍ أعجبك في الشعر العربي؟"السائل: أحدُ أعضاء لجنة الامتحان النِّهائي في دار العلوم في مصر.الوقت: عشرينيات القرن الماضي.المادة: اللغ...

" ألـــســـتَ شــــيخـاً "

 إبراهيم العسعس أنتَ شيخٌ أو متـدينٌ أو ملتزمٌ ، أو أيـاً كان الوصفُ الذي يُعطى لك تعبـيراً عن التـزامك بالديـن ، فالمُتوقع منك ـ ما دمتَ كذلك ـ مجموعة من الصفا...

" ... ما دام هذا النفط في الصحراء "

            أحبُّ قـبل أن أكمل ملاحظاتي حول ما كـنتُ قد بدأتُ به ، أن أشيـر إلى قـضية مهمة . سببها أمرٌ خطر على البال ، فقـلتُ شئٌ خطر على بالي لا بـدَّ أن يخطر...

" ما دام هذا النفط في الصحراء ."

        الـخـبـر: " عقدت فرنسا والإمارات المتحدة اتـفاقية عسكرية ! ضمن الـتعاون العسكري الفرنسي مع الإمارات !! . قال الرئيس الفرنسي ساركوزي : في إطار امتداد هذا...

" قواعد في دراسة المنهج "

  إبراهيم العسعس        كثرُ الحديثُ مؤخراً عن مناهج دراسة العلوم الإسلامية ( مادةً وتطبيقاً ) ، وضرورة تقويمِها ونقدِها للخروج بدراسات منهجية مستخلَصة ممَّا سب...

" اللـيـبرالي المُـسـتـبد "

   إبراهيم العسعس 2007-12-12      أعترفُ بغرابة هذا العنوان وتناقضه الصارخ ! فالليبرالي هو الإنسان الذي يؤمن بحرية الناس في تبني ما يشاؤون من آراء ، وهو في الوق...

وصفة تبرير النظام العربي

 إبراهيم العسعس الإهـداءإلى النظام العربي.. لله درك .. ثم لله درك ! فهمتَ فَسخِرتَ.. ودورَكَ أتـقـنتَ.. وتـَقـنَّعتَ فأقـنعتَ.. فأمِنتَ فَـنِمْتَ !إلغِ العساكر ...

عولمة الخطاب الاسلامي

 إبراهيم العسعس من مظاهر علل الخطاب الاسلامي المعاصر عجزه عن فرز الآخر، والتوجه لكل واحد من هذا "الآخر" بالخطاب الذي يناسبه.وهذا ليس غريبا لسببين:الأول: حالة ال...

www.yoursite.com
التغيير